سلط تقرير تحليلي موسع نشرته منظمة "الديمقراطية الآن للعالم العربي" (DAWN)، الضوء على الكواليس والترتيبات السياسية المحيطة بإعلان (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي عدم ترشحه لولاية جديدة بعد عام 2030.
واعتبر التقرير أن الآلية المعقدة المقترحة لإعداد واختيار الرئيس القادم، تعكس توجهًا صارمًا من القوات المسلحة لتوطيد مأسسة الحكم العسكري وإحكام قبضتها على الدولة، بدلاً من التمهيد لانفتاح ديمقراطي حقيقي.
وأشار التقرير، الذي صاغه المحلل السياسي ماجد مندور (مؤلف كتاب "مصر في عهد السيسي")، إلى أن الخطاب الذي ألقاه السيسي في 17 أكتوبر الماضي، وضع حدًا للتكهنات الطويلة حول إمكانية تعديل الدستور للبقاء في السلطة. إلا أن بديل الولاية الثالثة جاء عبر آلية اختيار مبتكرة تضمن صياغة رئيس بمواصفات تخدم استمرارية المنظومة الحالية.
"الفلترة العسكرية" وشروط صناعة الرئيس القادم
انتقد التقرير الآلية المقترحة لفرز المرشحين المحتملين للرئاسة؛ حيث تشترط الخطة أن يكون المتقدم حاصلاً على شهادة الدكتوراه (من جامعة مصرية أو أجنبية)، وألا يتجاوز عمره بين 40 و50 عامًا. والأهم من ذلك، هو إجبار المرشحين المقبولين مبدئيًا على الخضوع لبرنامج تدريبي وتأهيلي عقائدي مكثف يمتد لـ 30 شهرًا (عامين ونصف العام) داخل الأكاديمية العسكرية، لتقوم بعدها لجنة مخصصة بفحص طلباتهم وتحديد من يسمح له بالانتقال إلى صناديق الاقتراع، مما يضمن ألا يخرج من هذه العباءة أي مرشح يشكل تهديداً لنموذج "رأسمالية الدولة العسكرية".
صناعة "رئيس تكنوقراط" وإضعاف منصب الرئاسة
أوضح التحليل أن تجريف الحياة السياسية والضربات المتلاحقة للمجتمع المدني والأحزاب على مدار العقد الماضي، يعني أن المرشحين للانضمام للبرنامج التأهيلي سيكونون من فئة "التكنوقراط" والموظفين الذين يفتقرون تماماً لأي تنظيم سياسي أو ظهير شعبي يدعمهم في الشارع. ويهدف هذا التوجه بالدرجة الأولى إلى إضعاف النفوذ المطلق والكاريزما الشخصية لمنصب رئيس الجمهورية مستقبلاً، وجعل الرئيس القادم مجرد "شخصية مؤقتة لسد خانة" لا يملك القدرة على حشد الجماهير أو مواجهة الهيمنة العلنية لقادة الجيش.
الحصانة الدستورية وسيادة "العسكر" المطلقة
استند التقرير إلى المادة 200 من التعديلات الدستورية التي أُقرت عام 2019، والتي نصت صراحة على أن القوات المسلحة هي "حامية الدولة المدنية والدستور والحقوق الديمقراطية". ويرى أن هذه المادة تمنح الجيش غطاءً قانونياً فضفاضاً ومطلقاً للتدخل في المشهد السياسي وقتما يراه مناسباً ودون الحاجة لموافقة البرلمان أو الرئاسة. ويتزامن ذلك مع تحصين منصب وزير الدفاع، الذي لا يمكن تعيينه دستوريًا إلا بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، مما يعطيه حصانة سيادية وإدارية مستقلة عن أي سلطة مدنية قادمة.
فرص التغيير والانفتاح الديمقراطي "العفوي"
على الرغم من قتامة المشهد الاستبدادي، يرى التحليل أن هذه التغييرات قد تحمل في طياتها نتائج "غير مقصودة" لصالح الإصلاح. فأحد أبرز إنجازات السيسي كان إنهاء الصراعات البينية وتوحيد الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المختلفة تحت راية واحدة مدفوعة بالخوف المشترك من تكرار سيناريو ثورة. ومع رحيله، قد تبرز مجددًا بؤر التنافس والنزاع على النفوذ بين النخب العسكرية، مما يوجد لأول مرة منذ عام 2013 "مسافة وضوء نهار" بين الرئيس والمؤسسة العسكرية، وهي ثغرة وتصدع يمكن لأي معارضة سياسية منظمة — إن امتلكت برنامجًا شعبيًا حقيقيًا — أن تستغلها للضغط باتجاه التحول الديمقراطي العفوي.
واختتم التقرير بالإشارة إلى أنه على الرغم من أن السيناريو الأكثر ترجيحًا للمستقبل يبقى هو "التوطيد السلطوي وتعميق العسكرة"، إلا أن فتح باب الخلافة لرئيس مدني محتمل في 2030 سيفتح حتمًا فصلاً جديدًا من الحراك السياسي الذي جُمدت ملامحه لسنوات طويلة.
https://dawnmena.org/will-sisis-departure-represent-a-democratic-opening-or-military-consolidation-in-egypt/

